الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
144
نفحات القرآن
من جهة ، ودليلًا على إمكان مسألة المعاد والحياة بعد الموت من جهة أخرى ، على الخصوص في مجال تعيين جنس النطفة من ذكرٍ أو أُنثى . إنّ المسائل المتعلّقة بعلم الجنين من أعقد وأعجب المسائل ، والقانون المهيمن على هذا العلم لم يتضح لحدّ الآن حتى لدى الحاذقين من العلماء ، وكل ما لدينا من العلم أنّ مسألة تشخيص جنس الجنين في رحم الام غير ممكن أبداً ، ولا يتميّز إلّابعد وصول الجنين إلى المراحل النهائية من الحمل ، ونحن نعلم أيضاً بوجود قوانين دقيقة تهيمن على تلك الأُمور ، هذه القوانين التي توجد التعادل والتقارب بين تعداد كلٍّ من الجنسين ، لكنّ جزئيات وتفاصيل تلك الأمور ظلّت مخفية وراء حجاب الابهام . فلو افترضنا أنّ في كل عشر ولادات تسع منها إناث وواحد منها ذكر أو بالعكس ، فسوف يحدث اختلال عجيب وفوضى مخيفة وصراع رهيب في المجتمع الإنساني ! وفي الآية الثالثة بعد أن بيّن اللَّه تعالى قدرته ، قال : « وَانَّهُ خَلَقَ الزَّوجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْانْثَى * مِنْ نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشأَةَ الْأُخْرَى » . فالقرآن وإن لم يصرّح بهذه الحقيقة وأنّه يمكن أن نتوصل إلى إثبات النشأة الآخرة عن طريق المقايسة بينها وبين تطورات الجنين ، إلّاأنّه يمكننا عن طريق ارتباط الآيات فيما بينها أن نجعل الأمر الأول دليلًا وشاهداً على الأمر الثاني كما انتبه إلى ذلك بعض المفسرين أيضاً « 1 » . و « النشأة الآخرة » : بمعنى « الايجاد الآخر » والمراد منه برأي الأكثرية الساحقة من المفسرين « الحياة الأخرى » لكنّ البعض أصرَّ على أنّ المراد منه مرحلة نفخ الروح في الجنين وجعلوا آية : « فَكَسَونَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ » . ( المؤمنون / 14 ) دليلًا على مدّعاهم الآنف .
--> ( 1 ) تفسير في ظلال القرآن ، ج 7 ، ص 631 .